عبد الملك الجويني

18

نهاية المطلب في دراية المذهب

وغيرهما ، وقد نهى عمر رضي الله عنه عن ذلك ، وقال : " إنه يُورث البرص " ( 1 ) ، ورُوي أن عائشة ، أم المؤمنين رضي الله عنها ، كانت تشمّس الماء ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تفعلي يا حميراء ، فإنه يورث البرص " ( 2 ) . وقال الأئمة : إنما ثبتت الكراهيّة بشيئين يجتمعان ، أحدهما - أن يجرى [ التشمِيسُ ] ( 3 ) في البلاد الحارّة ، دون المعتدلة والباردة . والثاني - أن يكون التشمِيس في الجواهر التي ذكرناها ، فإنّ حَمْيَ الشمس إذا اشتدّ على الماء فيها ، فقد يعلوها شئ كالهباء ، وهو الضارُّ فيما قيل . فأما التشميس في الخزف والغدران ( 4 ) ، فلا يضرّ أصلاً . وإذا كان المرعيُّ أمراً يتعلق بالطبّ ، فلا فرق بين أن يشمَّس الماء قصداً ، وبين أن تنتهي الشمس إلى إناءٍ من غير قصدٍ .

--> ( 1 ) أثر عمر رواه الشافعي في الأم ( 1 / 3 ) عن إِبراهيم بن محمد ، عن صدقة بن عبد الله ، عن أبي الزبير ، عن جابر بن عبد الله : أن عمر كان يكره الماء المشمس . . . الخ . قال الحافظ : " صدقة ضعيف ، وأكثر أهل الحديث على تضعيف " إِبراهيم " ، لكن الشافعي كان يقول : إِنه صدوق ، وإن كان مبتدعاً . . . ولحديث عمر الموقوف هذا طريق أخرى ، رواها الدارقطني ( 1 / 39 ) من حديث إِسماعيل بن عياش ، حدثني صفوان بن عمرو ، عن حسان بن أزهر ، عن عمر ، قال : " لا تغتسلوا بالماء المشمس ، فإنه يورث البرص " وإسماعيل صدوق فيما يروي عن الشاميين ، ومع ذلك لم ينفرد به ، بل تابعه عليه أبو المغيرة . . . " انظر ( التلخيص 1 / 27 ، 28 ح 8 ) . ( 2 ) حديث " لا تفعلي يا حميراء . . . " أخرجه الدارقطني ( 1 / 38 ) وابن عديّ في الكامل ( 3 / 42 ) ، وأبو نعيم في الطب ، والبيهقي ( 1 / 6 ) من طريق خالد بن إِسماعيل ، عن هاشم بن عروة ، عن أبيه عنها . قال ابن عدي : " خالد كان يضع الحديث " ، وتابعه وهب بن وهب أبو البختري ، عن هشام ، قال : ووهب أشرّ من خالد . راجع ( تلخيص الحبير : 1 / 24 ، 25 ح 5 ) لترى كل ما قاله الحافظ في رجال هذا الحديث ، وطرقه . ونلاحظ أن إِمام الحرمين يورد الحديث بصيغة التمريض : " روي " . ( 3 ) في الأصل : " الشمس " والمثبت من : ( د 3 ) ، ( م ) ، ( ل ) . ( 4 ) الغدران : جميع غدير ، والغدير في الأصل ، القطعة من الماء يغادرها السيل ، والمراد هنا ، تشمس الماء في مقره في الأرض .